الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
379
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
عربية إسلامية والمسلمون مع المسيحيّين في سلم ودعة ، وهناء وراحة ، وصفاء ومحبّة ، ليس بينهم طرف نزاع ، ولا حاشية مشاحنة ، حتّى في المباحث الدينية والأُصول الاعتقادية ، لا يجد كلّ من جاره ومواطنه إلّاكلّ حرمة لدينه وكرامة لمذهبه ، ولا يدور بينهم في كلّ معاملة إلّاكلّ حسنى ومجاملة ؟ ! سل ( بغداد ) عاصمة الإسلام ومدينة الشرق وقاعدة الخلافة يوم ذاك تخبرك عن كثير ذلك وقليله ودقيقه وجليله ، حتّى إذا مسح الغرب عن عينيه سنة الكرى وأيقظته زعقات الشرق ولمعات ذلك البرق ، وكان أوّل انتباهته تلك المناوشات في الأندلس ، تلك الدول العربية الزاهرة ذات الحضارة الباهرة في القرن الرابع ، ثمّ سرت تلك الحركة الفكرية في الأُمم الغربية ، حتّى تركها الشرق والعبرة به والغيرة منه في المقيم المقعد والمسيء المسعد ، فكان أكبر همّتهم وأعظم مكرهم وأشدّ ما عندهم وما يستفرغ جهدهم سقوط الشرق من أوج مجده وهبوط نجم سعده وثلّ عروش شرفه . ولم يجدوا أنجح للوصول إلى هذه الغاية من تحريش بعضهم على بعض وإفساد ذات بينهم وتضاربهم على أنفسهم ، وإذا تقطّعت أوصالهم سهل استئصالهم وهان أمرهم . ثمّ وجدوا أقرب الطرق إلى ما يرومون من إفسادهم وشقاقهم إلقاء العصبيات الدينية فيما بينهم ، فسلكوا إليهم من هذا السبيل ، حيث أصابوا فيه مدخلًا كالنافقاء « 1 » وطريقاً أوسع من الدهناء « 2 » !
--> ( 1 ) النافقاء : إحدى حجَرَة اليربوع يكتمها ويظهر عليها ، وهو موضع يرقّقه ، فإذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه ، فانتفق ، أي : خرج . ( صحاح اللغة 4 : 1560 ) . ( 2 ) الدهناء : الفلاة . ( لسان العرب 4 : 434 ) .